من أبرز التحديات أهمية في تدريس علم الجيولوجيا هو استدعاء المشاهد الطبيعية داخل الصفوف. وليس من السهل، خصوصا في أوقات الجوائح والأوبئة، كما يظهر لعدم ضمان الوقاية، انضمام الطلاب للصف. لكن لحسن الحظ فإن الأدوات الرقمية باستطاعتها تقديم وسائل جديدة لبلوغ العالم الخارجي مهما كانت الغرفة التي يتواجد فيها الشخص.

فالجيولوجيا هو علم مكاني بامتياز يتطلب العديد من التصويرات ثلاثية الأبعاد. وقد استعملت نماذج فيزيائية بسيطة كالأحجار والصخور مثلا للمساعدة في تدريس أشياء كالفوالق والتشققات والنتوءات أو كبنية معادن بلورية. وقد تكون بغرابة هذه النماذج مرتفعة السعر أو شاغلة لحيز مهم في مخزن المختبر. وهنا تأتي التقنية للخدمة بتقديم مجموعة متعددة من الموجودات و المحاكات التصويرية وبيانات حول العالم الواقعي إذا ما استطاع الطلاب الولوج إليها.

وتصويرات الواقع المعزز (و.م) قادرة بشكل متزايد على الوفاء بهذا الالتزام. وفي هذه المناسبة، يحكي مارتن براد بخصوص عمله في جامعة واشنطن في مجموعة سانت لويس وتطويراته لتطبيقات الواقع المعزز للصفوف المدرسية والتي هي موجهة لأجهزة ميكروسوفت الخاصة (هولو لينز) أو للهواتف الذكية في يد الطلاب: “لا نريد تقديم هذه المعطيات من خلال جهاز عرض مثلما يتم القيام به على لوحة أو كتاب مدرسي لكن من خلال طريقة ثلاثية الأبعاد، حيث يمكن النظر حول الأشياء و التلاعب بها كما هو الحال في الحياة الواقعية. والشيء المميز في الواقع المعزز عكس الواقع الافتراضي (و.ف) هو التهيؤ الحدسي الشديد للتفاعل بين المدرس والطلاب. فلن نكون مختفيين وبعدين وبإمكاننا استعمال لغة إشارات الجسم كالتواصل بالعين لتوجيه الطلاب إلى أين نريد الذهاب.”

بعد حصوله على شهادة دكتورة في علم الزلازل منذ سنوات قليلة، بدأ براد بالاهتمام في تصوير البيانات على هذه الطريقة. وقد قام بتحد كبير لعمل وإنجاز تطبيقات للواقع المعزز. ومن بينها تطبيق متوفر لنظام أيفون يسمح بتصفح ثلاثي الأبعاد لأحدث المعطيات حول ظاهرة الزلازل بدل خريطة مسطحة. ويمكن بسهولة كبيرة فهم هندسة حدود الصفائح التكتونية من خلال هذه الوسيلة أو حتى تصفح أنماط سلوك الهزات القبلية أو البعدية لزلزال محدد.
وباشتغاله بمحرك الألعاب يونتي، وضع براد تطبيقا مرنا يدعى جيو إكسبلورور لنظام الأندرويد و الأيفون لعرض نماذج أخرى. ويوجد مسبقا ضمن هذا التطبيق مجموعة ضخمة من نماذج للبنية البلورية لمختلف المعادن تسمح لك بفهم كيفية ترتيب ذراتها. كما توجد أنواع مختلفة من الصخور لمعرفة شكل هذه المعادن في عالم الواقع. وبالانتقال إلى زاوية أكبر، هناك نتوءات صخرية مجمعة تترك الشخص وهو فقط داخل غرفة المعيشة في رحلة رائعة وتجربة جيولوجية مدهشة. وأزيد من ذلك، توجد هناك خرائط لمشاهد أرضية أو حتى قمرية أو مريخية.

وليس هذا فقط في مجال الجيولوجيا. ونظرا للاهتمام الكبير من قبل طلاب في تخصصات مغايرة، وجد براد قواعد بيانات أخرى لمعالجتها كنماذج للبروتينات، للفنون و لعلم الآثار.

ولحد الآن فهذه تجربة فردية فقط حيث يعمل براد على بناء أماكن متشاركة داخل التطبيق. ليمكن للمدرس تحديد غرفة معينة وإنشاء إطار مرجعي لهذا المكان. ويمكن فيما بعد للمستخدمين الانضمام إلى الجلسة من خلال أجهزتهم وتنزيل الإطار المرجعي ومطابقته مع تصوراتهم. ويتوجب في النهاية على كل الطلاب مشاهدة نفس الكائن الافتراضي الموضوع والمتحكم به من قبل المدرس كما هو الأمر لحملهم لنموذج معين داخل الصف ومعايشة تجربة تعاونية.

وبالتزامن فالمجموعة هي في حالة إنشاء لقاعدة مجتمعية لوضع قائمة متنامية من الكائنات التي يمكن الولوج إليها من خلال التطبيق. وهذه عملية سهلة بالنسبة لبيانات مسبقا رقمية. لكن تحويل قطع من العالم الواقعي إلى العالم الرقمي هو عملية مختلفة تماما. وبفضل المستجدات، قد أصبح الحال حاليا أسهل. فلا يستوجب الأمر عمل نسخة ليزرية للكائنات بأجهزة مكلفة جدا. فباستعمال حيلة البنية من خلال التحريك لبرنامج تصويري، يمكن ببساطة معالجة صور كثيرة مأخوذة من زوايا مختلفة لتكوين وتشكيل نموذج ثلاثي الأبعاد.

ويتابع براد: ” تم إعداد صندوق ضوء صغير للتصوير في المختبر، والذي يطلق الضوء لإظهار العينة المراد قياسها.” ويكمل: “وهو قابل للدوران ليمكن التقاط الصور لعينة ما على كل ميل بزاوية 10 درجة وينتهي الأمر في أخد 36 صورة لكل مستوى دوران. وبعدها يتم تحريك العينة إلى مستوى أخر وأخد 36 صورة أخرى…إلخ وهكذا إلى أن يتم تجميع كل صور العينة الواحدة.”

وحاليا حجم ودقة الصور لهذه الكائنات مشروط بإمكانيات الأجهزة لإخراجها بمعدل تحديث عرض مقبول. والشيء الوحيد الملفت في هذه الأنظمة هو قدرات الدقة المكيفة المتيحة لعرض مزيد من التفاصيل كلما تم تكبير جزء محدد من العينة. وهذا له العديد من التطبيقات، فيستطيع مثلا فريق وكالة ناسا المشرف على مهمة المريخ من التجول حول الكوكب الأحمر المصور وفي نفس الوقت تكون له إمكانية المعاينة القريبة جدا للأشياء. وقد يتيح أيضا هذا المزيد من خيارات أخرى داخل الصفوف الدراسية.

وبعيدا عن معاينة ثابتة للنماذج، هناك محاكاة تصويرية تفاعلية جاري العمل عليها. فيعمل براد مع علماء جليد في جامعة كولومبيا حول تطبيق محاكي للجليد يسمح بتكبير أو تقليص قطعة الثلج في عالم افتراضي – بل حتى على سطح المكتب أو على الدرج.

وهذه هي الأدوات الوحيدة والتطبيقية للتعليم والتدريس، خاصة أنها لا تتطلب تكاليف عالية كالأجهزة الجديدة التي يتوجب مشاركتها. (رغم أن الحصول على جهاز هولو لينز لميكروسوفت له إيجابياته في قسم واجهات المستخدم والتحكم). والكثير من الأفراد يجد قيمة مضافة في هذه التقنية ويساهم في خلق نماذج جديدة لكائنات وأماكن تتنامى مستقبلا فائدتها.

ويقول أيضا براد: “نأمل أن يتم انتشار الواقع المعزز في السنوات القليلة المقبلة عند تقييم الطلاب وإدخال الدرجات. فلم يعد كافيا استعمال حاسوب محمول فقط. بل حاليا بالاستطاعة إظهار نماذج وبيانات على شكل ثلاثي الأبعاد بغرض التدريس والتفهيم بأوجه مختلفة بينما الجهاز المحتاج إليه متوفر على كل حال.”

وفي النهاية، لا يتطلب الأمر أن تكون طالبا للتمتع والتسلية بكل هذه التقنية. فكل واحد سيكون حرا في اختيار جولة حول سطح القمر أو جلب بلورات غريبة إلى طاولته. كما تعلمون، مثلما يقوم به الساحر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *